يستيقظ سكان شمال قطاع غزة يوميًا على رحلة شاقة بحثًا عن الغذاء، إذ تغادر سماح أبو ناجي وزوجها نزار مسعود خيمتهما المصنوعة من أغطية بلاستيكية في أحد أركان مستشفى اليمن السعيد بمخيم جباليا، متجهين إلى مركز توزيع المساعدات في نقطة أبو رشيد، على بعد نحو 150 مترًا من مكان نزوحهما.

 

ويرصد سالم الريس في هذا التقرير معاناة الأسرة الفلسطينية، التي لا تعرف عند كل رحلة إلى مركز المساعدات ما إذا كانت ستعود بما يسد جوع أطفالها.


وتكشف المنصة في تقريرها عن أزمة المساعدات الإنسانية في قطاع غزة أن وصول الطرود الغذائية إلى الأسر لا يتوقف فقط على إدراج أسمائها ضمن قوائم المستفيدين، بل تحاصره سلسلة طويلة من العقبات، تبدأ من دخول شاحنات المساعدات عبر المعابر، مرورًا بنقلها إلى المخازن ومراكز التوزيع، وصولًا إلى قوائم المستفيدين التي تستبعد أسرًا كثيرة، بينما لا تكفي الحصص التي تصل إلى آخرين لسد احتياجاتهم الشهرية.


من الشاحنة إلى مركز توزيع المساعدات


يسرّع نزار وسماح خطواتهما نحو نقطة توزيع المساعدات، لأن اليأس ليس خيارًا متاحًا لمعظم سكان غزة، رغم شعورهما المتكرر بالخذلان، إذ يعرفان أن الرحلة قد تنتهي كالمعتاد دون الحصول على الزيت أو الدقيق.


تقول سماح، البالغة من العمر 31 عامًا والحامل في شهرها الخامس: «في كل مرة نذهب فيها أنا وزوجي إلى مركز التوزيع يقولون لنا: اسمك غير موجود على النظام». وترعى سماح طفلين إلى جانب ابنة شقيق زوجها، التي فقدت والدها قبل عامين.


يحاول الزوجان معرفة سبب غياب اسميهما عن القوائم، ويتوسلان لإدراجهما ضمن المستفيدين من المساعدات، التي تشمل كيسًا من الدقيق وطردًا غذائيًا يضم معلبات وأرزًا وزيتًا نباتيًا. وعندما لا يجدان سبيلًا للحصول على المساعدة، يتوجهان إلى طابور آخر أمام «التكية»، وهي مطبخ جماعي يقدم وجبات مجانية تتكون عادة من كميات محدودة من الأرز أو البرغل أو العدس أو الفول.


حتى إذا وصل الزوجان إلى مقدمة الطابور قبل نفاد الطعام، فلن يحصل كل منهما على أكثر من طبق واحد، وهو ما لا يكفي لإشباع أي من أطفالهما الثلاثة.


وتجسد معاناة سماح ونزار اليومية أزمة أوسع يعيشها قطاع غزة المدمر، إذ لا يعتمد وصول الطرد الغذائي إلى الأسرة في شمال القطاع على إدراج اسمها في قوائم المستفيدين فحسب.


وتبدأ الأزمة عند حدود قطاع غزة، حيث تسمح القوات الإسرائيلية بدخول أعداد محدودة فقط من شاحنات المساعدات المتراصة عند المعابر.


تسلك الشاحنات بعد ذلك طرقًا محفوفة بالمخاطر قبل وصولها إلى مستودعات منظمات الإغاثة، ثم تواجه عمليات نقل المساعدات من المخازن إلى مراكز التوزيع عقبات أخرى قد تؤدي إلى توقفها. وفي نهاية هذه الرحلة، تتنافس آلاف الأسر على كميات محدودة من المساعدات، قد تستولي عليها جهات مجهولة أو تتوقف لأسباب متعددة.


وأعلنت الأمم المتحدة في 12 يوليو وقف توزيع المواد الغذائية في نقطة أبو رشيد بمخيم جباليا شمال القطاع، بعدما قالت إن أفرادًا مسلحين «مرتبطين بالسلطات القائمة بحكم الأمر الواقع» اقتحموا المركز ومستودعًا تابعًا لبرنامج الأغذية العالمي بالقوة، واعتدوا على سائقين ينقلان مساعدات إنسانية.


وحذرت الأمم المتحدة من تصاعد ما وصفته بنمط من التدخل والعنف وعرقلة العمليات الإنسانية، بما يشمل محاولات تهريب واستهداف العاملين في المجال الإنساني وإساءة استخدام عمليات الإغاثة، مشددة على ضرورة حماية العاملين وضمان وصول المساعدات دون عوائق.


ورفض المكتب الإعلامي الحكومي في غزة هذه الرواية، وقال في بيان نشره عبر قناته على «واتساب» إن ما جرى كان عملية نفذتها الشرطة الفلسطينية بعدما عثرت على مواد ممنوعة داخل بعض طرود المساعدات، بينها سجائر وشاشات هواتف محمولة. وقدم المكتب التدخل باعتباره استجابة لمطالب سابقة بتأمين قوافل الإغاثة ومنع استغلالها.


ولم يحدد المكتب الجهة المسؤولة عن إدخال تلك المواد، كما لم ينشر صورًا أو أدلة عليها، فيما قال شهود لـ«المنصة» إنهم شاهدوا المواد داخل عدد من صناديق المساعدات. وبعد مزاعم المكتب الإعلامي الحكومي والبيان الأولي للأمم المتحدة، لم يصدر برنامج الأغذية العالمي ردًا إضافيًا بشأن ادعاءات التهريب.


وبغض النظر عن الروايتين المتعارضتين، أدى الخلاف إلى توقف توزيع المساعدات أربعة أيام قبل استئنافه، في وقت لا تزال فيه أسر تنتظر إدراج أسمائها في قوائم المستفيدين، بينما تعتمد أسر أخرى على كميات محدودة لا تغطي احتياجاتها الشهرية.


غذاء محدود ومخاطر صحية متفاقمة


يقول نزار إن مراكز توزيع المساعدات لا تعمل سوى أيام قليلة كل شهر، وتقدم طردًا يضم الأرز وزيت الطهي والملح وبعض البقوليات المعلبة، إلى جانب كيس دقيق يزن 25 كيلوجرامًا، وهي كمية لا تكفي الأسرة طوال الشهر.


وتشير سماح إلى ابنها الأكبر ماجد، البالغ تسعة أعوام، بينما يجلس في ركن من الخيمة ويحك ساقيه اللتين تغطيهما تقرحات ملتهبة تنزف. وتقول إن العيادة شخصت إصابته بحساسية تجاه البقوليات، التي تشكل جزءًا أساسيًا من الطعام الذي تحصل عليه الأسرة.


وتوضح سماح أن البثور ظهرت على ساقي طفلها بسبب اعتماد الطعام على البقوليات، ثم ازدادت سوءًا نتيجة البيئة الملوثة داخل الخيمة وانتشار البعوض والذباب. وأخبرها طبيب العيادة بأن الطفل يحتاج إلى مضادات حيوية ومرهم خاص وزراعة بكتيرية، لكن ثمن المرهم يصل إلى 40 شيكلًا، أي نحو 15 دولارًا، وهي لا تملك ثمنه.


وتضيف أن طعام «التكية»، الذي يعتمد أيضًا على البقوليات، يزيد حساسية طفلها، لكن الأسرة مضطرة إلى تناوله، قائلة: «نحن نعيش على أي مساعدة قليلة تصل إلينا».


ولا تقتصر المشكلات الصحية على أطفال الأسرة، إذ تعاني سماح نفسها من سوء التغذية وفقر الدم، إلى جانب انخفاض متكرر في ضغط الدم قد يؤدي أحيانًا إلى فقدان الوعي.


وعندما ينصحها الأطباء بتناول أطعمة غنية بالحديد، مثل اللحوم والكبد والحليب، ترد بسخرية: «من أين سأحصل على الحليب واللحوم؟ حتى المساعدات المالية التي وعدتنا بها المنظمات الدولية خلال جلسات التوعية قبل فترة ليست سوى كلام ووعود بلا تنفيذ».


أسر خارج قوائم المساعدات


وعلى بعد أمتار قليلة من خيمة سماح، يعيش محمد بعلوشة جانبًا آخر من الأزمة نفسها. ويقيم الأب البالغ 36 عامًا داخل خيمة صغيرة أقامها فوق أنقاض منزله المدمر، لتأويه وزوجته وأطفالهما الثلاثة.


وكان بعلوشة يعمل سائق سيارة أجرة قبل الحرب، لكنه يقضي معظم يومه في البحث عن مساعدات يقول إنها لا تصل إليه. وفي الوقت نفسه، تعاني ابنته تالين، التي لم تتجاوز عامها الأول، من سوء تغذية حاد وشديد، وفق تشخيص عيادة الأونروا في جباليا.


ويقول بعلوشة إن ابنته تحصل على مكملات غذائية، لكنها تحتاج إلى حليب صناعي خاص لا تستطيع الأسرة تحمل تكلفته. وكان أفراد الأسرة يعتمدون على مبادرات شبابية توفر الحليب الصناعي للأطفال، لكن تلك المبادرات توقفت بعد نفاد التمويل، فيما تنتظر الأسرة أي بديل ينقذ طفلتها من التدهور الصحي.


ويضيف أنه لم يحصل على سلة غذائية واحدة منذ نحو خمسة أشهر، رغم تسجيل اسمه لدى عدة منظمات، في ظل إجبار الكميات المحدودة التي تدخل القطاع آلاف الأسر على التنافس للحصول على عدد قليل من الطرود.


ووفق أحدث بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الصادرة في 6 أغسطس، سمحت القوات الإسرائيلية بدخول 63,094 شاحنة مساعدات من أصل 180 ألف شاحنة كان يفترض دخولها منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل في شرم الشيخ في 11 أكتوبر 2025، أي نحو ثلث العدد المطلوب.


ولا تتوفر بيانات بشأن عدد الأسر الموجودة في شمال غزة أو الأسر غير المدرجة في قوائم توزيع الطرود الغذائية، في ظل تشابك برامج الإغاثة واستمرار موجات النزوح، لكن بيانات الأمم المتحدة تكشف فجوة هائلة بين حجم الاحتياجات ونطاق التغطية.


ويواجه 67% من سكان غزة مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، بينما يتغير عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية العامة بصورة كبيرة من شهر إلى آخر، نتيجة نقص الإمدادات والتمويل والقيود المفروضة على الوصول. وتشير الأمم المتحدة إلى أن استمرار النزوح والقيود الأمنية واللوجستية، خصوصًا بالقرب من مناطق تمركز القوات الإسرائيلية، يعقد وصول الأسر إلى الخدمات والمساعدات.


وتزيد ظروف المعيشة الأخرى من حدة أزمة الغذاء. وتعتمد المياه التي تصل إلى منطقة بعلوشة على مضخة يهدد تشغيلها نقص الوقود والزيت ونفاد البطاريات. كما تقع خيمته بالقرب من مناطق تمركز الجيش الإسرائيلي شرق جباليا وشمالها، حيث يستمر القصف وإطلاق النار في المناطق المحيطة.


وقبل شهر، سقط صاروخ على بعد أمتار من خيمته، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين، بينهم طفلان بُترت قدماهما، وفق روايته.


ولا تقتصر مخاطر إيصال المساعدات على مناطق النزوح أو مراكز التوزيع، إذ تواجه الشاحنات نفسها مخاطر على الطرق التي تسلكها، كما يدفع السائقون والعاملون ثمنًا باهظًا للوصول بالمساعدات إلى مستودعاتها.


وأعلنت منظمة المطبخ المركزي العالمي في 8 يوليو مقتل السائق أحمد ناصر سليم برصاص الجيش الإسرائيلي أثناء نقله مساعدات من معبر كرم أبو سالم إلى أحد مستودعات المنظمة داخل قطاع غزة. وكان سليم يعمل لدى شركة لوجستية شريكة للمنظمة.


ولم تكن وفاة سليم حادثة منفردة، إذ اعتقلت القوات الإسرائيلية، خلال الشهر الماضي، عددًا من سائقي الشاحنات عند معبر كرم أبو سالم، وفق مصدر في جمعية النقل تحدث إلى «المنصة» شريطة عدم الكشف عن هويته.


وفي حادث آخر وقع في 20 يوليو، استهدفت آلية عسكرية إسرائيلية سيارة مرافقة كانت تؤمن شاحنات مساعدات على الطريق الساحلي بين رفح وخان يونس جنوب القطاع، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من العاملين في النقل، وفق المصدر نفسه.


وهكذا، لا تتعطل عملية إيصال المساعدات عند عقبة واحدة يمكن تجاوزها؛ فالكميات التي تدخل القطاع تقل كثيرًا عن حجم الاحتياجات، ونقلها يعرّض السائقين وأطقم الشاحنات للخطر، بينما تتوقف مراكز التوزيع بسبب حوادث أمنية متنازع عليها، وتنتهي الرحلة بقوائم تستبعد أسرًا وطرود غذائية لا تكفي من يحصلون عليها للبقاء حتى نهاية الشهر.


أما سماح، فتظل حياتها معلقة على الرحلة نفسها. ففي صباح اليوم التالي، ستستيقظ وتغادر خيمتها، واضعة يدًا على بطنها لحماية جنينها، وتتجه مجددًا إلى مركز توزيع المساعدات.

 

وقد تجد اسم أسرتها غائبًا عن قوائم الطرود، فتعود خالية الوفاض، قبل أن تنضم مرة أخرى إلى طابور «التكية»، من دون أن تعرف ما إذا كانت ستتمكن من الوقوف لساعات، أو ما إذا كان الطعام سينفد قبل وصول دورها، تاركًا لها ولأطفالها قليلًا من الأرز أو البرغل أو العدس أو الفول.

 

https://almanassa.com/en/stories/33417